أكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن التأمين القائم على الاستخدام (Usage-Based Insurance – UBI) يمثل اتجاهًا متناميًا في تطوير تأمين السيارات، مع تسارع التحول الرقمي وتوسع الاعتماد على البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، موضحًا أن هذا النموذج يغير آليات تسعير الوثائق من الاعتماد على المعايير التقليدية إلى ربط قيمة القسط بالاستخدام الفعلي للسيارة وطبيعة قيادة صاحبها.
ويتيح هذا النظام لشركات التأمين تقييم المخاطر بصورة أكثر دقة، وتحديد الأقساط وفقًا لمستوى الخطورة المرتبط بكل عميل، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على عوامل مثل العمر ونوع السيارة وسجل المطالبات التأمينية.
التليماتيكس.. المحرك التكنولوجي
وأوضح الاتحاد أن تقنيات التليماتيكس (Telematics) تمثل الأساس التكنولوجي للتأمين القائم على الاستخدام، إذ تتيح جمع وتحليل بيانات المركبات والسائقين بشكل مستمر، من خلال أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأجهزة الاستشعار ووسائل الاتصال اللاسلكي.
وتتضمن البيانات التي تجمعها هذه التقنيات المسافات المقطوعة، وسرعة السيارة، وأنماط التسارع والفرملة، وطريقة الانعطاف، وتوقيت القيادة والموقع الجغرافي، وهو ما يمنح شركات التأمين صورة أكثر شمولًا عن المخاطر المرتبطة بكل سائق.
ولا تتوقف الاستفادة من هذه البيانات عند تسعير الوثائق، بل تشمل تطوير عمليات الاكتتاب وإدارة المطالبات، والكشف عن حالات الاحتيال التأميني، فضلًا عن تحفيز السائقين على اتباع قواعد القيادة الآمنة.
سوق التأمين القائم على الاستخدام
وعلى مستوى المؤشرات العالمية، أشار الاتحاد إلى أن تقديرات مؤسسة «Mordor Intelligence» تتوقع نمو سوق التأمين القائم على الاستخدام من 30.31 مليار دولار في 2025 إلى 34.79 مليار دولار خلال 2026، وصولًا إلى 69.18 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 14.76% خلال الفترة من 2026 إلى 2031.
واستحوذ نموذج التأمين المرتبط بسلوك القيادة (Pay-How-You-Drive) على النصيب الأكبر من السوق خلال 2025، بنسبة 33.78%، فيما تشير التوقعات إلى أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ ستكون الأسرع نموًا خلال السنوات المقبلة.
ويرتبط هذا التوسع بزيادة انتشار السيارات المتصلة بالإنترنت، وتطور تقنيات جمع البيانات، واتجاه شركات التأمين إلى طرح منتجات أكثر مرونة، لا سيما للعملاء الشباب، بحيث تتحدد تكلفة التأمين وفقًا لمسافات القيادة ومدى الالتزام بقواعد السلامة المرورية.
3 نماذج لتحديد الأقساط
وحدد الاتحاد ثلاثة نماذج رئيسية للتأمين القائم على الاستخدام، تختلف بحسب المعايير التي تستند إليها شركات التأمين في احتساب القسط:
\- التأمين وفقًا للمسافة المقطوعة (PAYD): ترتبط تكلفة الوثيقة بعدد الكيلومترات التي تقطعها السيارة فعليًا، ما يجعله مناسبًا لأصحاب المركبات الذين يستخدمونها بمعدلات محدودة.
\- التأمين وفقًا لسلوك القيادة (PHYD): يعتمد على تقييم طريقة قيادة السائق، من خلال متابعة السرعة والتسارع والفرملة والانعطافات، مع إمكانية تقديم خصومات لمن يلتزمون بأنماط قيادة آمنة.
\- التأمين وفقًا لمستوى المخاطر (PPR): يستند إلى مجموعة من العوامل، تشمل سلوك القيادة والمسافة المقطوعة وحالة الطرق وكثافة المرور والظروف الجوية، للوصول إلى تقييم أكثر شمولًا للمخاطر.
مكاسب لشركات التأمين والعملاء
وأشار الاتحاد إلى أن تطبيق هذه النماذج يحقق قدرًا أكبر من العدالة والشفافية في تحديد الأقساط، من خلال ربط التكلفة بمستوى المخاطر الفعلي، والتمييز بين السائقين منخفضي المخاطر ومرتفعي المخاطر.
كما تساعد برامج التأمين المرتبطة بسلوك القيادة على تحسين أداء السائقين، عبر إرسال تقارير وتنبيهات بشأن تجاوز السرعة والفرملة الحادة والتسارع المفاجئ، مع تقديم مكافآت وخصومات تأمينية مقابل الالتزام بقواعد السلامة.
وتسهم البيانات المتاحة في رفع كفاءة التعامل مع المطالبات، من خلال توفير معلومات عن موقع الحادث وتوقيته وسرعة المركبة والظروف المحيطة بوقوعه، بما يساعد على تسريع إجراءات الإخطار والمعاينة والتسوية، فضلًا عن رصد بعض حالات الاحتيال المحتملة.
وتنعكس هذه المزايا على النتائج الفنية لشركات التأمين، عبر خفض معدلات الخسائر وتحسين إدارة محافظ تأمين السيارات، إلى جانب تطوير تجربة العملاء من خلال خدمات إضافية، من بينها المساعدة على الطريق، وتحديد موقع المركبة في حالات السرقة، والإخطار التلقائي بالحوادث.
خصوصية البيانات أبرز تحديات التطبيق
ولفت الاتحاد إلى وجود تحديات تتطلب التعامل معها قبل التوسع في تطبيق هذا النموذج، يأتي في مقدمتها الحفاظ على خصوصية بيانات العملاء، نظرًا إلى أن التقنيات المستخدمة تجمع معلومات تفصيلية عن المواقع الجغرافية ومسارات الحركة ومواعيد الرحلات وسلوك القيادة.
وتشمل التحديات أيضًا اختلاف القوانين المنظمة لجمع البيانات واستخدامها من سوق إلى أخرى، والحاجة إلى تطوير البنية التكنولوجية لشركات التأمين، بما يمكنها من استقبال المعلومات وتحليلها وتوظيفها بكفاءة في عمليات الاكتتاب والتسعير وإدارة المطالبات.
وشدد الاتحاد على ضرورة وضع قواعد واضحة لحماية بيانات العملاء والالتزام بالتشريعات المنظمة، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على خصوصية المؤمن لهم.
ألمانيا وجنوب أفريقيا
واستعرض الاتحاد تجربتين دوليتين في هذا المجال، الأولى لشركة «HUK-COBURG» الألمانية، التي طورت برامج تأمينية تعتمد على أجهزة التليماتيكس وتطبيقات الهواتف المحمولة لمتابعة أسلوب القيادة وتقديم تقارير للعملاء، مع إتاحة خصومات تصل إلى 30% وفقًا لنتائج تقييم القيادة في البرنامج المشار إليه.
أما التجربة الثانية فتتمثل في شركة «Discovery Insure» بجنوب أفريقيا، من خلال برنامج «Vitality Drive»، الذي يعتمد على متابعة سلوك السائقين ومنحهم نقاطًا ومكافآت مقابل القيادة الآمنة، إلى جانب خدمات تحديد موقع المركبة والإخطار بالحوادث وتنبيهات الطقس.
ووفقًا للبيانات التي نشرتها الشركة، انخفض معدل وفيات الحوادث بين مستخدمي أجهزة التليماتيكس بنسبة 56% مقارنة بغيرهم، كما تراجعت مطالبات الحوادث بنسبة 26% خلال عشر سنوات.
تطوير تأمين السيارات
ويرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن التوسع في هذا النوع من المنتجات يفتح المجال أمام تطوير سوق تأمين السيارات، من خلال تصميم وثائق أكثر ارتباطًا باحتياجات العملاء وطبيعة المخاطر، بما يعزز تنافسية الشركات ويدعم التحول الرقمي.
ودعا الاتحاد إلى الاستفادة من التجارب والممارسات الدولية في تصميم نماذج تتناسب مع طبيعة السوق المصرية، مع تطبيقها تدريجيًا لضمان تحقيق النتائج المستهدفة.
وأكد أن نجاح التجربة يتطلب تعاونًا بين شركات التأمين والجهات الرقابية ومقدمي الحلول التكنولوجية، بالتوازي مع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتأهيل الكوادر الفنية داخل الشركات.
واختتم الاتحاد بالتأكيد على أن التأمين القائم على الاستخدام يتجاوز فكرة تغيير طريقة احتساب الأقساط، ليقدم أسلوبًا مختلفًا لتقييم المخاطر وإدارتها، بما يدعم كفاءة سوق التأمين ويحسن حماية العملاء ويسهم في تعزيز السلامة المرورية واستدامة قطاع تأمين السيارات.

