بقلم: سعيد الأطروش
لم تعد الأسواق تُسعَّر وفق حسابات التكلفة والعرض والطلب، بل وفق حالة نفسية مضطربة عنوانها “الخوف”.
خوف من زيادة قادمة… خوف من نقص محتمل… خوف من خسارة متوهمة… فيتحول هذا الخوف إلى أرقام تُكتب على السلع، لا تعكس واقعًا بقدر ما تعكس قلقًا وجشعًا في آنٍ واحد.
نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بوضوح: تسعير الخوف.
تاجر لا ينتظر زيادة فعلية في التكلفة، بل يسبقها برفع الأسعار.
وآخر لا يحسب ما تحمّله بالفعل، بل ما يتوقع أن يتحمله.
وثالث يرفع لأنه يرى غيره يرفع… لا أكثر.
وهكذا، تتحول السوق إلى دائرة مغلقة من المبالغة، يغذيها القلق وتُسرّعها الرغبة في الربح السريع، بينما المنطق غائب، والعدالة مؤجلة.
لكن السؤال الأهم هنا ليس اقتصاديًا فقط… بل ديني وأخلاقي.
هل ما يحدث حلال؟
هل يجوز أن يُحمَّل المستهلك تكلفة لم تقع بعد؟
هل يجوز أن يتحول التاجر من ناقل للسلعة إلى مُضارب على خوف الناس؟
في ميزان الشرع، المسألة واضحة.
فالأصل في التجارة العدل والوضوح، لا الاستغلال ولا الغبن.
وقد حذّر النبي ﷺ من الاحتكار والتلاعب بقوت الناس، وقال: “من احتكر فهو خاطئ”.
ولم يكن الاحتكار فقط في حبس السلع، بل يمتد إلى حبسها معنويًا برفع سعرها إلى حد يعجز عنه الناس.
كما أن بيع السلعة بسعر مبالغ فيه استنادًا إلى أوهام أو توقعات، يدخل في باب الغش والتدليس، وهو ما نهى عنه الدين صراحة.
فالتاجر ليس حرًا مطلقًا في التسعير حين يتعلق الأمر بحاجات الناس الأساسية، بل هو مؤتمن… قبل أن يكون باحثًا عن الربح.
الأخطر أن هذه الممارسات لا تضر بالمستهلك فقط، بل تفسد السوق نفسها.
فعندما يُفقد السعر مصداقيته، يفقد السوق توازنه.
وحين تنهار الثقة، لا يعود هناك استقرار… بل فوضى مقنّعة بالأرقام.
إن الفرق كبير بين الربح المشروع، والجشع المغلّف بالخوف.
الأول يبني سوقًا… والثاني يهدم مجتمعًا.
وإذا كان البعض يظن أن الظرف الحالي يبرر كل شيء، فالحقيقة أن الأزمات هي امتحان للضمائر لا فرصة للانفلات.
في الشدائد تُعرف معادن الناس… وتُختبر أخلاق التجارة قبل حساباتها.
اليوم، نحن بحاجة إلى استعادة المعنى الحقيقي للسوق:
سوق تقوم على الثقة، لا على الفزع…
على العدل، لا على المغالاة…
على ضمير حي، لا على حسابات باردة.
وفي النهاية…
قد ينجح “تسعير الخوف” في تحقيق مكسب سريع،
لكنه يخسر ما هو أهم بركة الرزق الحلال

