يتجه الطلب العالمي على مجوهرات البلاتين إلى تسجيل تراجع ملحوظ خلال عام 2026، بعد أن استفاد المعدن خلال العام الماضي من اتساع الفارق السعري مع الذهب، ما جعله خيارًا أقل تكلفة لبعض المصنعين والمستهلكين، خاصة في الصين.
وبحسب تقديرات مجلس الاستثمار العالمي للبلاتين، من المتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على مجوهرات البلاتين بنسبة 15% خلال 2026، ليصل إلى نحو 1.88 مليون أوقية، مقابل 2.21 مليون أوقية خلال العام السابق.
انتهاء موجة المخزون
جاءت التوقعات الجديدة بعد عام شهد فيه قطاع مجوهرات البلاتين نموًا واضحًا، مدفوعًا بارتفاع أسعار الذهب واتساع الفجوة السعرية بين المعدنين، الأمر الذي شجع بعض المصنعين وتجار التجزئة، خصوصًا في الصين، على زيادة إنتاج المشغولات البلاتينية وتكوين مخزونات جديدة.
إلا أن ارتفاع أسعار البلاتين خلال الفترة الأخيرة قلص جزءًا من الميزة السعرية التي ساعدت المعدن على جذب الطلب بعيدًا عن الذهب، بالتزامن مع انتهاء موجة تعزيز المخزونات التي رفعت الطلب الصيني بصورة استثنائية خلال العام الماضي.
وتزامن ذلك مع ضعف إنفاق المستهلكين على المجوهرات، لتتركز الضغوط بصورة أكبر في الصين، التي تعد من أكبر أسواق مجوهرات البلاتين عالميًا، بعدما ساهم انتقال بعض المصنعين من الذهب مرتفع التكلفة إلى البلاتين في دعم الطلب خلال 2025.
مجوهرات البلاتين
وتبدو أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا أكثر تماسكًا، في ظل استمرار استخدام البلاتين في خواتم الزواج والمجوهرات، مستفيدًا من لونه الأبيض الطبيعي ونقائه المرتفع ومتانته وقدرته على تثبيت الأحجار الكريمة.
كما يتميز البلاتين بعدم حاجته إلى إعادة طلاء دوري، بخلاف المشغولات المصنوعة من الذهب الأبيض المطلي بالروديوم.
وأوضح الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، أن البلاتين كان تاريخيًا أعلى سعرًا من الذهب لفترات طويلة، نتيجة ندرته وصعوبة استخراجه وتركز إنتاجه في عدد محدود من الدول، إلا أن الندرة وحدها لا تحدد سعر المعدن أو قدرته على الحفاظ على مكانته.
وأشار إلى أن الذهب يمتلك قاعدة طلب أكثر اتساعًا، تشمل مشتريات البنوك المركزية وصناديق الاستثمار والسبائك والعملات والمجوهرات، إلى جانب استخدامه كمخزن للقيمة وأداة للتحوط.
أما البلاتين، بحسب فاروق، فيرتبط بصورة أكبر بدورات الصناعة والسيارات وتحولات الطلب الاستهلاكي على المجوهرات، وهو ما يجعل طبيعة الطلب عليه مختلفة عن الذهب.
تحويل البلاتين إلى بديل للذهب
وقال فاروق إن انخفاض سعر البلاتين عن الذهب خلال السنوات الأخيرة جعله خيارًا جاذبًا لبعض المصنعين والمستهلكين، لكنه لم يتحول إلى بديل كامل للذهب، لأن قرار الانتقال بين المعدنين لا يعتمد على السعر فقط.
وأوضح أن انتشار البلاتين يحتاج أيضًا إلى توافر التصاميم والورش المتخصصة، ووضوح آلية التسعير، فضلًا عن ثقة المستهلك في إمكانية إعادة البيع.
الصناعة تعوض جزءًا من تراجع المجوهرات
وفي الوقت الذي يتعرض فيه الطلب على المجوهرات لضغوط، يحتفظ القطاع الصناعي بدور مهم في سوق البلاتين، إذ يتوقع مجلس الاستثمار العالمي للبلاتين نمو الطلب الصناعي بنحو 5% خلال 2026.
ويستند هذا النمو إلى استخدامات المعدن في الصناعات الكيميائية والطبية والإلكترونية وإنتاج الزجاج، بما يعوض جزءًا من الانخفاض المتوقع في قطاع المجوهرات.
كما يواصل البلاتين استخدامه في المحولات الحفازة للسيارات، التي تعمل على الحد من الانبعاثات الضارة، رغم توقع تراجع الطلب من هذا القطاع خلال العام، نتيجة ضعف إنتاج المركبات في بعض الأسواق والتغير التدريجي في مزيج السيارات عالميًا.
وتعكس هذه الاستخدامات تعدد محركات سوق البلاتين، إذ لا تتحدد حركته وفق قطاع المجوهرات فقط، وإنما تتداخل فيها الصناعة والسيارات والاستثمار والطلب على المشغولات، ما يجعله أكثر ارتباطًا بالدورات الاقتصادية والصناعية مقارنة بالذهب.
فائض محدود
ورغم التوقعات بتحول سوق البلاتين إلى فائض محدود خلال 2026، بعد ثلاثة أعوام متتالية من العجز، فإن ذلك لا يعني توافر إمدادات قوية في السوق.
وتشير تقديرات مجلس الاستثمار العالمي للبلاتين إلى أن المخزونات المتاحة فوق سطح الأرض ستغطي نحو 3.4 أشهر فقط من الطلب العالمي بنهاية العام.
ويعني انخفاض المخزونات أن سوق البلاتين تظل أكثر حساسية أمام أي اضطرابات في الإنتاج أو تحولات مفاجئة في الطلب الصناعي والاستثماري، خاصة مع تركز الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي في عدد محدود من المناطق.
سوق البلاتين في مصر
وعلى المستوى المحلي، قال فاروق إن سوق البلاتين في مصر لا تزال محدودة، وتتركز بصورة أساسية في خواتم الزواج والمشغولات الراقية والقطع المستوردة أو المصممة لعملاء محددين، رغم خضوع المعدن للدمغ الحكومي باعتباره أحد المعادن الثمينة.
وأوضح أن العقبة الرئيسية أمام انتشار البلاتين في السوق المصرية لا تتعلق بالإطار القانوني، وإنما بمحدودية التداول، وقلة عدد الورش المتخصصة، وغياب التسعير اليومي الواضح لدى قطاع واسع من التجار، فضلًا عن ضيق سوق إعادة البيع مقارنة بالذهب.
وأضاف أن البلاتين يمثل أصلًا استثماريًا في الأسواق العالمية عبر السبائك والعملات والصناديق المتداولة، لكنه لا يؤدي الدور نفسه حاليًا في السوق المصرية، لعدم توافر شبكة واسعة للتسعير وإعادة الشراء كتلك الموجودة في سوق الذهب.
ولفت فاروق إلى أن شراء البلاتين قد يناسب المستهلك الباحث عن قطعة مجوهرات فاخرة ذات لون أبيض طبيعي ومتانة مرتفعة، لكنه لا ينبغي تقديمه باعتباره بديلًا ادخاريًا مباشرًا للذهب في مصر، في ظل انخفاض السيولة وصعوبة إعادة البيع ومحدودية الانتشار الجماهيري.
مستقبل البلاتين
ويشير تحليل «مرصد الذهب» إلى أن حركة سوق البلاتين خلال الفترة المقبلة ستتأثر بعاملين متعاكسين؛ الأول يتمثل في تراجع الطلب على المجوهرات، خاصة في الأسواق الآسيوية، والثاني هو استمرار الطلب الصناعي والتكنولوجي على المعدن.
وبينما يحتفظ الذهب بمكانته باعتباره المعدن الأكثر انتشارًا في الادخار والاستثمار داخل السوق المصرية، يظل البلاتين حاضرًا بقوة في الصناعة والمجوهرات الفاخرة، لكنه لا يزال بعيدًا عن الذهب من حيث السيولة وسهولة التداول وإعادة البيع محليًا.
