“واشتهرت مصر بزراعة القطن وتغنى المصريون بمواسم حصاده وأطلقوا عليه اسم الذهب الأبيض في وصف يوضح قيمته عندهم حيث كان المحصول الأساسي ومصدر دخل أساسي للدولة”
هكذا كنا ندرس في مناهج الدراسات الاجتماعية وكم كان الانبهار بفكرة تشبيه القطن بالذهب، وكم كان مدعاةً للفخر أن تنتج مصر ذهبًا أبيضًا وليس ذهبًا أسودًا تم اكتشافه تحت الأرض (البترول)، وكان هذا الذهب الأبيض من إنتاج الفلاح المصري على أرضٍ مصريةٍ بمياهٍ مصريةٍ.

لم يكن هذا الوضع مجرد دراسات نظرية ولكن كان يكفي أن تخرج إلى حدود القاهرة والجيزة لترى الأراضي الزراعية التي تحيط بها وتشكل حدود وادي النيل العامرة بأجود الأراضي الزراعية، وأتيحت لي الفرصة في أوائل ومنتصف التسعينيات بفضل مشروعات إسكان وتخطيط عمراني خلال الدراسة في كلية الهندسة جامعة القاهرة بالتجول في مناطق المريوطية والمنصورية وسقارة والطالبية والمنيب بمنطقة الجيزة-الهرم في وَسَط الأراضي الزراعية كثيفة الزراعة التي تمتد حتى حدود هضبة الأهرام، وكان منظر الأراضي الزراعية والترع المخترقة لها مع الفلاحين في وَسَط زراعتهم يعتنون بها والأهرامات في الخلفية منظرًا ساحرًا يعيد إلى الأذهان اللوحات التاريخية التي رسمها علماء الحملة الفرنسية للقاهرة.

ومرت أعوامًا قليلةً صرنا نسمع خلالها عن تجريف الأراضي الزراعية، أزمة الإسكان، نقص الغذاء، تدهور زراعة القطن، توغل المناطق العشوائية وجرائم مستجده تهز المجتمع، وكنا منغلقين على أنفسنا داخل مدينة القاهرة والجيزة ما بين المهندسين ومدينة نصر، العباسية الجيزة وغيرهم من المناطق التقليدية حين كان على مشارف مناطقنا الهادئة طوفان من البناء على أجود الأراضي الزراعية، واستيقظ سكان القاهرة الكبرى بعد افتتاح الطريق الدائري على غابة من الطوب الأحمر ومناطق غير مخططة و مباني ملتصقة وشوارع صغيرة ضيقة لم يكن سكان القاهرة واعتقد بعض المسئولين يستشعرون الحجم الحقيقي لهذه المناطق.
ولم تكن هذه المناطق مجرد غابة من الطوب الأحمر ولكنها شاهدةً على الجرم الذي ارتكبه المصريون مجتمعين تجاه الأراضي الزراعية وكذلك تجاه عدم توفير الاحتياجات الرئيسية للشعب من فرص للحصول على المسكن الآمن الملائم لجميع الافراد، وشاهدةً على تجذر فكرة عدم التفكير داخل الصندوق أولًا، كيف لعاقل أن يسمح بالبناء على الأراضي الزراعية وتجريفها ثم يقرر أن يزرع الصحراء، إن فكرة زراعة الصحراء تكون مقبولة عندما نريد زيادة الرقعة الزراعية بعد الاستفادة الكاملة من الأراضي الزراعية أو عند الحاجة لزراعة محاصيل بمواصفات خاصة، كيف للدولة ألا تعمل لتوفير حق الحصول على سكن لكل مواطن عبر توفير فرصة للحصول على أرضٍ أو وحدة تناسب إمكاناته المادية والاجتماعية وتتركه ليحارب وحيدًا عبر كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للحصول على سكن بينما تبذل الدولة جهودًا مضنيةً وتصرف ميزانيات ضخمة لبناء العديد من الوحدات التي لا نعلم إلى من تصل (أو نعلم)، أدت في النهاية إلى وجود أكثر من 12 مليون وحدة سكنية مغلقة.
وأصبح العقار هو السلعة الرئيسية والمنتج الرئيسي الذي تنتجه الدولة بقطاعاتها المختلفة وترسم الخطط لتوفير الطرق والمواصلات للمشروعات الجديدة، وأصبحت المهنة الدارجة للشباب هي التسويق العقاري وتحولت مجالات الاستثمار من الصناعة والزراعة إلى التطوير العقاري، وشكّل العقار إطارً للادخار والاستثمار للقادرين من الشعب، وصارت غابات الأسمنت والطوب الأحمر تسيطر على الصورة البصرية للقاهرة الكبرى، وصار لا حديث في مجال المال والأعمال إلا عن التطوير العقاري والمشروعات العقارية، ومازالت أزمة الحصول على سكن مستفحلة في أنحاء الجمهورية بينما العقار بوجهه القبيح من الاسمنت والطوب الأحمر هو الذهب الجديد الذي حل محل القطن وصناعة الغزل والنسيج وأوجه الصناعات والاستثمار الأخرى، لم يكن هذا الحال وليد اللحظة أو المرحلة الحالية ولكننا نحصد الآن ثمار ما زرع عبر السنين من بداية الخمسينيات حتى الآن، ولكن كيف ولماذا حدث هذا؟
- كيف تحول المسكن من احتياج إلى سلعة، كيف تحول من سكن إلى طوب أحمر؟
- كيف تحول الذهب الأبيض إلى ذهب أحمر؟
- كيف يوفر المواطن احتياج للسكن؟
- كيف تحولت الدولة إلى مطور عقاري؟
- لماذا تحول التمليك نمطًا سائدًا بدلًا من الإيجار؟
- لماذا يتاجر الناس في العَقَار؟
- ماهي احتياجات السوق سنويًا؟ ما حجم إنتاج قطاعات الدولة من الوحدات؟
- هل نعرف إمكانيات السكان المادية واحتياجاتهم الاجتماعية؟
- هل هناك خطة موحدة على مستوى الدولة لتوفير حق السكن لكل مواطن؟
- ماذا يفعل أو سيفعل من لم يستطع الحصول على مسكن؟
- سمعنا عن المدن الجديدة، ماذا عن سكان الريف؟ هل يضطروا إلى البناء على الأراضي الزراعية أم ترك أراضيهم للسكن في وحدات 67 متر في مدينة جديدة؟
كيف تحول وادينا الأخضر لهذه الغابة الحمراء؟

العديد من الأسئلة التي أزعم أنها تقع داخل الصندوق وأنها أسئلة بدائية يجب الإجابة عنها قبل التحرك لتنفيذ أي خطة تتعلق بالإسكان وهو ما سنستعرضه في الفترة القادمة إن شاء الله عبر التجول في سوق الإسكان منذ الخمسينيات حتى الآن لنتمكن من رسم صورة دقيقة لوضع السوق العقاري و منظومة الإسكان في مصر.

