د. منى وهبة لـ «القرار المصري»: الصناعة هي أداة تحقيق السيادة.. ومستقبلنا التصديري في أفريقيا مرهون بالبضاعة الحاضرة ورد الأعباء

المستثمر لا يهرب من الضرائب بل يهرب من "المفاجآت" والقرارات الفجائية

 

حول واقع المشهد الاقتصادي الحالي، والتحديات التي تواجه قطاع الاستثمار والتصدير، والفرص الواعدة في السوق الأفريقي.

التقى برنامج “القرار المصري” بالدكتورة منى وهبة، أستاذ الاقتصاد الدولي والعضو المنتدب للشركة المصرية لإسناد الصادرات الصناعية، وعضو مجلس إدارة إحدى كبرى مجموعات صناعة مواد البناء، لتقدم لنا “روشتة واقعية” بمنتهى الشفافية والوضوح.

​الملف الاقتصادي وأمن مصر المستقبلي

 

كيف تقرأ الدكتورة منى وهبة المشهد الاقتصادي الحالي في مصر وسط المتغيرات المتسارعة؟

​مصر لا تمر بمفردها بظروف استثنائية، بل العالم والمنطقة بأسرها يمران بتحديات كبرى لها تداعياتها المباشرة علينا.

لكني أؤمن دائمًا بأن الملف الاقتصادي هو أداة لتحقيق السيادة الوطنية، وأهم أدوات هذا الملف هو “قطاع الصناعة”.

الصناعة هي المستقبل، وهي الأداة التي تؤمن لنا تنمية مستدامة واقتصادًا قويًا مرنًا لا يهتز بالمتغيرات الخارجية.

​مصر تمتلك جغرافياً وتاريخياً معطيات حبانا الله بها؛ كالمحيط العربي والأفريقي والمتوسطي وقناة السويس.

بالإضافة إلى نجاح الدولة في صياغة أكبر شبكة اتفاقيات تجارية تفضيلية حرة في المنطقة.

لكن كل هذه المقومات قد تجعلنا مجرد “ممر”، بينما طموحنا وهدفنا الأساسي هو أن نتحول إلى “القاعدة الصناعية” التي تنتج منتجات ذات قيمة مضافة عالية تستخدم هذا الممر.

​تحدثتِ باعتزاز عن حقبة المهندس رشيد محمد رشيد في وزارة الصناعة والتجارة، ما الذي نحتاجه اليوم من تلك التجربة؟

​في رأيي المتواضع، مرحلة المهندس رشيد محمد رشيد كانت من أزهى عصور الصناعة والتجارة في مصر، لأن لكل نجاح جينات وبصمة وراثية (DNA)، وهو استطاع الوصول إلى جينات النجاح في هذا الملف.

نحن لا نطالب باستنساخ التجربة، بل بتطويرها بناءً على تلك الأسس التي وضعها وصالحة لكل مرحلة؛ وأبرزها: إشراك القطاع الخاص في اتخاذ القرار، و”الإدارة بالنتائج”.

​عندما كنت أعمل في الفريق مع المهندس رشيد، زرع فينا ما يسمى “ريادة الأعمال الحكومية”، فكنا كدبلوماسيين ومسؤولين نُحاسب بالنتائج الرقمية: كم صدّرنا؟ وما حجم الأسواق التي فتحناها؟ وما قيمة الاستثمارات التي جذبناها؟ الطفرة الصناعية تحتاج لإدارة هذا الدولاب الحكومي بفكر وعقلية القطاع الخاص.

​تحديات الاستثمار ومفهوم العمالة المصرية

 

​مصر تمتلك طاقات شابة هائلة ومحفظة أراضي واتفاقيات.. فلماذا لم نتحول بعد إلى “صين المنطقة”؟

​طموحي لمصر أكبر؛ فهي مؤهلة لتكون “صين المنطقة المتوسطية والعربية والأفريقية” وليس أفريقيا فقط.

نحن نمتلك معطيات ومكتسبات قوية، وتكلفة الإنتاج في مصر ما زالت منخفضة ومنافسة جداً مقارنة بدول الجوار، وهذا سر الهجوم الإيجابي وزيادة الاستثمارات التركية والصينية والأوروبية لدينا مؤخراً.

لكن للحفاظ على هذه التنافسية، يجب على متخذ القرار ضبط معادلة أسعار الطاقة، والحد الأدنى للأجور، واستقرار السياسات.

​أما عن التحديات، فالأمر يرتبط أولاً بـ “العامل البشري”. أنا أرفض تماماً مصطلح “العمالة الرخيصة” وأعتبره ظلماً للمواطن المصري؛ نحن نمتلك “عمالة ماهرة ذات تنافسية عالية في التكلفة”.

لكن هذا الملف يحتاج فوراً إلى زيادة مخصصات التعليم الفني في الموازنة العامة للدولة وإحداث طفرة حقيقية فيه.

​والتحدي الثاني والأهم هو “عنصر المفاجأة”. المستثمر لا يهرب من الضرائب، بل يهرب من المفاجآت وعدم التوقع (Predictability).

المستثمر يبني دراسات جدوى لسنوات، وحين يفاجأ بصدور قرار يغير المعطيات بعد عام، أو يطبق بأثر رجعي، يتأثر سلباً. حط الجمارك أو الضرائب الشفافة التي تريدها، لكن اجعلها مستقرة وقابلة للتوقع.

​بصفتك عضواً في مجلس إدارة مجموعة صناعية كبرى، هل واجهتم مثل هذه التحديات البيروقراطية على أرض الواقع؟

​نعم، وخطورة البيروقراطية تكمن في “الموظف الصغير” وليس الإدارة العليا.

في مجموعة “بيم” لصناعة مواد البناء (أكبر مصنع للجبسوم بورد والفاير سيمنت بورد في المنطقة)، كنا بصدد توقيع عقد توسع استراتيجي بـ 300 مليون دولار بعد الاتفاق مع رئيس الهيئة، ولكن بسبب تعامل وسلوك غير لائق من موظف صغير، اتخذت المجموعة قراراً فورياً بإلغاء الاستثمار في ذلك الوقت! المستثمر يتعامل مع هذا الموظف يومياً، وهو إما أن يدعمه أو يعقده ويطرد الاستثمار.

​لكن في المقابل، عندما تغيرت الإدارة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بوعي وفكر جديد يرحب بالمستثمر ويحفظ حق الدولة وحق المستثمر معاً، عدنا وضاعفنا التوسعات لتصل إلى 500 مليون دولار، وشرفنا رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بافتتاحها.

وأنا اليوم أعتبر نفسي سفيرة للمنتطقة الاقتصادية لقناة السويس بسبب إدارتها الحالية المحفزة.

​اقتحام السوق الأفريقي وصيغة “الكونسورشيوم”

​انحيازك للسوق الأفريقي واضح، وكنتِ قد أطلقتِ سابقاً مبادرة “مصر – لبنان إلى أفريقيا”.. ماذا تعلمتِ من التجربة اللبنانية في التجارة؟

​اللبنانيون شاطرون جداً في التجارة، وأنا اخترت “المنتوُر” الخاص بي في القطاع الخاص رجل أعمال لبناني.

تعلمت منهم أن التجارة ليست مجرد بوليصة شحن وحاوية.. التجارة “ثقة”، والثقة تسبق العقد، والعقد يحمي الثقة.

كما أن اللبناني لم يدخل أفريقيا بمنطق (Hit and Run) أو “صفقة واجري”، بل ذهب واستقر وعاش هناك لثلاثة وأربعة أجيال وبنى سمعة تجارية مستدامة.

​عندما ذهبنا لتأسيس أول فرع لشركتنا في كينيا، قال لنا الكينيون كلمة لافتة: “نحن نحبكم يا مصريين ونتمنى العمل معكم، لكننا نراكم مرة واحدة فقط!”.

أفريقيا لا تحتاج لزيارات عابرة، بل تحتاج لتواجد دائم.

​لكن السوق الأفريقي مليء بالمخاطر السيادية واللوجيستية، ما هو “المفتاح السحري” للنجاح هناك؟

​المفتاح هو “البضاعة الحاضرة” و”خدمة ما بعد البيع”. المستهلك الأفريقي لا يريد شراء بضاعة من الكتالوج وينتظر شحنها من القاهرة ثم يجد الهاتف لا يرد إذا واجهته مشكلة في التركيب.

يريد أن يرى بضاعتك أمامه، ويجد الدعم الفني فوراً في نيروبي أو غيرها.

​ولأن المخاطر والتكاليف مرتفعة على الشركات الفردية، قمنا بتأسيس “كونسورشيوم” (تحالف مشترك) يضم مجموعة من رجال الأعمال والصناعيين المهتمين بأفريقيا بنظام تقاسم التكاليف (Cost Sharing) مقتدين بالتجربة الناجحة للدكتور شريف الجبلي في تنزانيا.

أسسنا شركة ومخزناً كبيراً ومعرضاً (Showroom) في كينيا؛ الأمن مشترك، التسويق والمبيعات مشترك، وتحصيل الأموال مشترك. هذا يقلل التكلفة على كل مصدّر مصري إلى الحد الأدنى ويضمن تواجداً قوياً.

​طلب إحاطة للحكومة

 

​ما هي القرارات العاجلة التي تطلبينها من الدولة كمستثمرة وأكاديمية لإنجاح التصدير لأفريقيا؟

​أولاً، الدولة ممثلة في وزارة الخارجية والتمثيل التجاري تؤدي دوراً ممتازاً، ونحن محظوظون بدعم السفير حاتم يسري والمكتب التجاري في نيروبي، حيث يتم اختيار أمهر الدبلوماسيين لأفريقيا حالياً.

​أما “طلب الإحاطة” الأساسي الذي أتوجه به للحكومة فهو: ضرورة عودة برنامج رد الأعباء ودعم الصادرات إلى سابق عهده.

أفريقيا سوق حساس جداً للسعر، والمنتجات الصينية والهندية تكتسح هناك لأن وراءها دعماً هائلاً من دولها يخفض تكلفتها.

على الرغم من القيود في الموازنة العامة، يجب أن يكون صندوق دعم الصادرات أولوية قصوى، فلا يمكننا تحقيق مستهدف الـ 145 مليار دولار تصدير ونحن ننافس بدون دعم شحن ورد أعباء حقيقي، رغم أننا كمصنعين نضع هوامش ربح في حدها الأدنى.

​أخيراً.. كيف استقبلتِ التغيير الوزاري الأخير؟ وما هي أمنياتك للاقتصاد المصري؟

التغيير الوزاري كان فيه أشياء إيجابية، ولكن كانت هناك أمنيات لم تتحقق.

أنا أؤمن ببناء المؤسسات والجسور، وحين أقيم تغييراً وزارياً لا أقيم “الأشخاص” بل أقيم “السياسات”.

نحن بحاجة إلى سياسات جديدة وتغييرات جوهرية هيكلية، وفي بعض الأمور جذرية.

​تكلفة التمويل في مصر حالياً مخيفة، وملف تمويل الصناعة يحتاج لإعادة نظر وتضافر سريع بين وزارة الصناعة والبنك المركزي والبنوك.

​ وأعتقد أن أكبر هدية يمكن أن نقدمها للمواطن المصري وليس لرجل الصناعة فقط هي “الاستقرار والهدنة من المفاجآت”.

الصناعي المصري مر بتحديات رهيبة منذ 2011 واعتبر نفسه جندياً في معركة ولم يغلق مصنعه أو يتخلى عن عماله؛ وقد حان الوقت لكي يذهب إلى مصنعه كل صباح مطمئناً وبدون مفاجآت.. إلا إذا كانت مفاجآت سارة.

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار