يعود بنك القاهرة إلى واجهة سوق المال المصرية بطرح عام أولي يستهدف بيع 30% من رأسماله في البورصة المصرية، في خطوة تترقبها السوق منذ سنوات. وتأتي العملية ضمن توجه الحكومة لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في ملكية الأصول المملوكة للدولة، وجذب استثمارات جديدة إلى السوق المحلية.
وبموجب إعلان نية الطرح، يبيع بنك مصر، المالك الحالي لبنك القاهرة، نحو 4.575 مليار سهم من حصته القائمة. ومن المتوقع إتمام الاكتتاب في أواخر أكتوبر الجاري، على أن يبدأ تداول الأسهم خلال نوفمبر، رهناً بالحصول على الموافقات الرقابية اللازمة.
ويضع الطرح أمام المستثمرين فرصة للدخول في ملكية أحد البنوك الحكومية الكبرى. كما يختبر قدرة البورصة المصرية على استيعاب طرح كبير، وجذب سيولة جديدة من المستثمرين المحليين والأجانب.
شريحتان للطرح
تتوزع عملية الطرح على شريحتين رئيسيتين. الأولى مخصصة للمستثمرين المؤهلين في مصر وعدد من الأسواق الخارجية، بينما تستهدف الثانية المستثمرين الأفراد داخل مصر.
ويعمل البنك على استكمال الموافقات التنظيمية اللازمة. وتشمل الإجراءات الحصول على موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية على نشرة الطرح وتسجيل الأسهم، إلى جانب موافقات البورصة المصرية.
ويتولى «سي آي كابيتال» مهام مدير الطرح الرئيسي والمنسق الدولي، فيما تشارك «إي إف جي هيرميس» مديراً للطرح ومنسقاً دولياً. كما عيّن البنك مكتب «بيكر مكنزي» مستشاراً قانونياً في ما يتعلق بالقانونين الأميركي والإنجليزي، ومكتب «حلمي وحمزة وشركاه» مستشاراً قانونياً في ما يتعلق بالقانون المصري.
تقييم البنك والسعر النهائي
وتبرز مسألة التقييم باعتبارها أحد العناصر المهمة في تحديد جاذبية الطرح للمستثمرين. فقد أشارت تقديرات سابقة إلى بلوغ القيمة العادلة لبنك القاهرة نحو 78 مليار جنيه، لكنها لا تمثل سعراً نهائياً للأسهم المطروحة.
وكانت الحكومة تستهدف في وقت سابق بيع حصة تتراوح بين 30% و40% من البنك، مع جمع ما بين 23 و32 مليار جنيه، وفق مسؤول حكومي تحدث إلى «الشرق بلومبرغ» في مارس الماضي. وحدد إعلان نية الطرح الحصة المستهدفة عند 30%.
وقال سمير رؤوف، محلل أسواق المال، إن طرح بنك القاهرة من الطروحات المهمة التي يترقبها السوق منذ سنوات. وأوضح أن تأجيل العملية أكثر من مرة ارتبط بعوامل مختلفة، منها ظروف السوق ومدى قدرته على استيعاب طرح بهذا الحجم.
ورجح رؤوف أن يمثل الطرح عملية ذات قيمة كبيرة بالنظر إلى حجم البنك وأصوله. لكنه أكد أن السعر النهائي يتوقف على التقييم الفعلي وظروف تنفيذ الطرح.
وبعد إتمام بيع الحصة المستهدفة، سيحتفظ بنك مصر بنحو 70% من أسهم بنك القاهرة، مقابل إتاحة 30% للمستثمرين من خلال البورصة.
جذب الاستثمارات وتنشيط السوق
ولا تقتصر أهمية الطرح على بيع حصة من أسهم البنك، بحسب رؤوف، بل تمتد إلى إعادة تقييم الأصول وتحسين إدارتها. وأكد أن كفاءة الإدارة والقدرة على تحقيق نتائج مالية قوية تمثلان عاملين أساسيين في جذب المستثمرين.
وأضاف أن السوق تحتاج إلى طروحات قادرة على جذب استثمارات جديدة، خاصة من المستثمرين العرب والأجانب. كما أشار إلى أهمية توسيع قاعدة المستثمرين وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر.
ولفت إلى أن جانباً من السيولة يتركز في عدد محدود من الأسهم، بالتزامن مع تأثير المضاربات على حركة التداول. لذلك، يرى أن جذب استثمارات جديدة يمكن أن يدعم نشاط السوق ويعزز تنوع الفرص المتاحة أمام المستثمرين.
واعتبر رؤوف أن نجاح طرح بنك القاهرة قد يشكل خطوة مهمة نحو تنشيط البورصة المصرية، وتهيئة المجال أمام طروحات جديدة تسهم في تحسين كفاءة إدارة أصول الدولة.
محطات مؤجلة قبل الطرح
يأتي الطرح المرتقب بعد سنوات من التأجيل. فقد قُيدت أسهم بنك القاهرة في البورصة المصرية منذ عام 2017، لكن تنفيذ الطرح تأخر أكثر من مرة بسبب تقلبات الأسواق والخلافات المتعلقة بالتقييم.
وفي يونيو 2025، توقفت مفاوضات استحواذ بنك الإمارات دبي الوطني على البنك إثر خلاف بشأن السعر. ورفع البنك الإماراتي عرضه إلى 1.5 مليار دولار، بينما تمسكت الحكومة بتقييم بلغ 1.8 مليار دولار لكامل الأسهم، قبل الاتجاه لاحقاً إلى خيار الطرح في البورصة.
كما ترددت في أغسطس الماضي أنباء عن اعتزام البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية الاستحواذ على حصة تبلغ 10% من رأسمال بنك القاهرة عبر الطرح المرتقب.
وقال مسؤول بالبنك الأوروبي إن المؤسسة تعتزم المساهمة بحصة قد تصل إلى 5%، بهدف جذب مزيد من المستثمرين وتعزيز الثقة في المركز المالي للبنك. وأضاف أن مساهمة المؤسستين الدوليتين ستبلغ 10% من إجمالي رأس المال، مع مشاركة مؤسسة التمويل الدولية في الصفقة.
برنامج الطروحات الحكومية
يمثل طرح بنك القاهرة إحدى الخطوات المرتبطة ببرنامج الحكومة المصرية لتوسيع مشاركة القطاع الخاص، من خلال بيع حصص في الشركات والبنوك المملوكة للدولة.
ووفق بيانات حكومية، جمعت مصر نحو 5.8 مليار دولار من البرنامج خلال الفترة من يونيو 2022 إلى يونيو 2025. وتعادل هذه الحصيلة نحو 47.5% من المستهدف البالغ 12.2 مليار دولار.
ومن ثم، لا تتوقف أهمية طرح بنك القاهرة عند حصيلة بيع الأسهم فقط، بل ترتبط أيضاً بقدرة العملية على جذب مستثمرين جدد، وتوسيع قاعدة الملكية، وتقديم مؤشر على مدى استعداد السوق لاستقبال طروحات حكومية أخرى.

