د. سعيد الأطروش يكتب: من هارون الرشيد إلى الشرق الأوسط الجديد.. حين يقتتل الإخوة ويتفرج الأعداء

في واحدة من أشهر الروايات التاريخية، غضب الخليفة العباسي هارون الرشيد من رسالة بعث بها نقفور، إمبراطور الروم، بعدما نقض الأخير الاتفاق الذي كان قائمًا بين الروم والدولة العباسية.

 

وتقول الرواية إن هارون الرشيد أمسك بالرسالة، وكتب على ظهرها بيده:

 

«بسم الله الرحمن الرحيم

من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم،

قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام».

 

ثم تحرك بجيشه إلى بلاد الروم، وحقق انتصارات عسكرية، في واقعة ارتبطت تاريخيًا بغزوة هرقلة،

لتبقى الرسالة واحدة من أشهر المواقف التي تُروى عن هيبة الدولة العباسية وقوة قرارها.

 

لكن التاريخ لا يتوقف عند انتصار خليفة على خصم خارجي، بل يحمل لنا درسًا آخر أكثر قسوة، يتعلق بما حدث داخل البيت العباسي نفسه.

 

فقد وضع هارون الرشيد ترتيبات لولاية العهد بين ابنيه الأمين والمأمون، على أمل أن تستقر أمور الحكم بعد وفاته.

لكن الخلافات على السلطة سرعان ما تصاعدت، ونقض الأمين الترتيبات المتعلقة بخلافة أخيه، وانفجر الصراع بين الشقيقين في حرب أهلية مدمرة.

 

وانتهت الحرب بسقوط بغداد ومقتل الأمين عام 813 ميلادية، وتولي المأمون الخلافة،

بعدما استنزف الصراع الدولة وألحق أضرارًا جسيمة بعاصمتها،

وأسهم في إضعاف تماسك الدولة العباسية على المدى الطويل.

 

وهنا تبدأ الحكاية التي تجعل التاريخ أقرب إلى واقعنا من أي وقت مضى.

 

ما أشبه اليوم بالأمس!

 

عالم عربي تتعدد فيه الخلافات والصراعات، وتُستنزف فيه الطاقات والإمكانات في معارك بين الأشقاء، في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه المنطقة،

وتجد إسرائيل مساحة أوسع للتحرك، بينما يدفع الشعب الفلسطيني ثمنًا باهظًا من الدماء والدمار والمعاناة.

 

وفي المقابل، تراقب القوى الدولية المشهد، وتتحرك وفق حساباتها ومصالحها الاستراتيجية.

والولايات المتحدة، بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا في كثير من ملفات المنطقة، ليست بعيدة عن معادلات الصراع وتوازناته.

 

والسؤال هنا: من المستفيد من انقسام العرب؟ ومن الرابح عندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات تستنزف الدول، وتُضعف قدرتها على حماية أمنها ومصالح شعوبها؟

 

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس مجرد اختلاف وجهات النظر بين دولها، فالاختلاف أمر طبيعي في العلاقات الدولية،

وإنما أن تتحول الخلافات إلى خصومات مفتوحة، وأن تتقدم الحسابات الضيقة على المصالح الاستراتيجية المشتركة،

وأن يصبح الصراع بين الأشقاء فرصة تستغلها الأطراف الأخرى لتوسيع نفوذها وتحقيق أهدافها.

 

والأكثر إثارة للقلق أن ما نشهده اليوم يتقاطع، في كثير من جوانبه، مع تصورات ومشروعات طُرحت لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

وقد يكون من الخطأ اعتبار كل ما يحدث تنفيذًا حرفيًا لخطة واحدة، لكن من الخطأ أيضًا تجاهل حقيقة أن الانقسام والصراعات الداخلية يفتحان الباب أمام التدخلات الخارجية،

ويمنحان القوى الطامعة فرصًا لم تكن لتجدها في ظل وجود موقف عربي متماسك.

 

إن المخططات الخارجية، أيًا كانت مصادرها وأهدافها، لا تنجح بالقوة وحدها؛

بل تجد طريقها عندما تتوافر لها بيئة من الانقسام، وغياب الثقة، وتراجع القدرة على التنسيق والعمل المشترك.

 

ومن هنا، فإن استحضار تجربة هارون الرشيد وابنيه ليس مجرد استدعاء لصفحات من التاريخ، وإنما هو تذكير بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من جيوش وثروات، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على وحدتها،

وإدارة خلافاتها، وتقديم مصالح شعوبها على صراعات السلطة والنفوذ.

 

لقد واجه هارون الرشيد خصمًا خارجيًا بقوة الدولة، لكن الصراع الذي اندلع بعد وفاته بين أبنائه كشف أن ما تعجز عنه الجيوش أحيانًا تصنعه الخلافات الداخلية.

 

واليوم، لا تحتاج الأمة العربية إلى استعادة لغة التحدي وحدها، بل إلى ترجمتها إلى سياسات واقعية، وتنسيق سياسي واقتصادي وأمني،

ومواقف تحمي الدول من التفكك، وتدعم الحقوق العربية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني، وتمنع تحويل الخلافات إلى بوابة لتصفية الحسابات على أرضنا.

 

إن الدرس الأهم من التاريخ أن الأعداء لا يحتاجون دائمًا إلى هزيمة خصومهم في معركة مباشرة؛ فقد تكفيهم رؤية خصومهم وهم يستنزفون أنفسهم في صراعات لا تنتهي.

 

فهل نتعلم من دروس الماضي، أم نترك التاريخ يعيد نفسه بأسماء جديدة ودماء عربية جديدة؟

 

حفظ الله مصر، وحفظ الله الدول العربية، وحقن دماء العرب جميعًا، وجمع كلمتهم على ما فيه الخير والأمن والاستقرار، ونصرة الشعب الفلسطيني، وصيانة مقدرات الأمة ومستقبل أجيالها.

الرابط المختصر

يمكنكم متابعة موقع «القرار المصري» المتخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ أسعار الذهب، الدولار،اللحوم ،العملات ، الدواجن ، أخبار مصر، ونبض السوق ، وأهم الأخبار،و بنوك وبورصة ، والعقارات تكنولوجيا ،حوادث، ثقافة منوعات،سياسة،

لمتابعة موقع «القرار المصري»عبر جوجل اضغط  هـــــنـــــا

تابع موقع «القرار المصري» عبر الفيس بوك اضغط  هـــــــــــنا

تابع موقع «القرار المصري» عبر التيك توك  اضغط  هـــــــــــنا 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار