السفير الإندونيسي في حوار خاص لـ«القرار المصري»: مصر في قلوب الإندونيسيين.. ومن القاهرة بدأ فصل مهم من حكاية استقلالنا
كونشورو جيري واسيسو: زيارة الرئيس السيسي إلى جاكرتا دفعة قوية للشراكة الاستراتيجية.. وجمعية رجال الأعمال المصريين شريك رئيسي لتحويل التقارب التاريخي إلى استثمارات ومشروعات مشتركة
من اعتراف مصر باستقلال إندونيسيا عام 1945 إلى استهداف تجارة بـ5 مليارات دولار في 2030.. علاقات تتجاوز السياسة إلى فرص التصنيع والتصدير
في العلاقات بين مصر وإندونيسيا حكاية أقدم من أرقام التجارة واتفاقيات الاستثمار؛ حكاية بدأت بموقف تاريخي مصري مساند لاستقلال إندونيسيا، واستمرت عبر عقود من التقارب والتعاون، لتدخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الاستراتيجية وتحويل الروابط التاريخية إلى مصالح اقتصادية ملموسة.
وفي حوار خاص لـ«القرار المصري»، يتحدث السفير كونشورو جيري واسيسو، سفير جمهورية إندونيسيا لدى مصر، عن المكانة التي تحتلها مصر في الوجدان الإندونيسي، ودلالة الاعتراف المصري المبكر باستقلال بلاده، وتقدير جاكرتا لزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما يكشف ملامح المرحلة المقبلة من التعاون مع مجتمع الأعمال المصري، ودور جمعية رجال الأعمال المصريين في فتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار والتصنيع المشترك.
مصر في ذاكرة الاستقلال الإندونيسي
القرار المصري: تربط مصر وإندونيسيا علاقات تاريخية ممتدة، لكن هناك محطة استثنائية في هذه العلاقة، تتمثل في موقف مصر من استقلال إندونيسيا. ماذا تعني لكم هذه المحطة اليوم؟
السفير كونشورو جيري واسيسو: تمثل مصر مكانة خاصة في تاريخ إندونيسيا وفي قلوب شعبها. فقد كانت مصر أول دولة عربية تعترف باستقلال إندونيسيا عام 1945، في مرحلة كانت فيها بلادنا تخوض نضالها من أجل التحرر من الاستعمار وتثبيت حق شعبها في الاستقلال.
هذا الموقف ليس مجرد واقعة تاريخية نعود إليها في المناسبات الرسمية، بل هو تعبير عن تضامن حقيقي بين شعبين تجمعهما قيم الحرية والكرامة والاستقلال. ولذلك، فإن علاقتنا بمصر لا تقوم فقط على المصالح السياسية والاقتصادية، وإنما تستند أيضًا إلى رصيد عميق من التقدير والامتنان.
وعندما نتحدث اليوم عن تطوير العلاقات المصرية الإندونيسية، فإننا لا نبدأ من نقطة الصفر، بل نبني على تاريخ طويل من الثقة والتواصل، ونستهدف أن تنعكس هذه الروابط بصورة أكبر على حياة المواطنين وفرص الأعمال والاستثمار في البلدين.
«أحب مصر وأقدّر شعبها».. علاقة تتجاوز حدود العمل الدبلوماسي

القرار المصري: بعد وجودكم في القاهرة ومتابعة تطور العلاقات بين البلدين، كيف تنظرون إلى مصر على المستوى الإنساني؟ وهل يختلف العمل الدبلوماسي في بلد له هذه المكانة التاريخية لدى الإندونيسيين؟
السفير: العمل في مصر يحمل أهمية خاصة بالنسبة لي؛ لأنني أمثل بلدي في دولة تربطها بإندونيسيا علاقات تاريخية وثقافية وإنسانية راسخة. ومصر ليست مجرد شريك دبلوماسي أو سوق اقتصادية مهمة، بل بلد يتمتع بحضور كبير في الوعي الإندونيسي.
هناك تقدير عميق للشعب المصري، ولتاريخ مصر وثقافتها ودورها في المنطقة. كما أن الروابط التعليمية والدينية والثقافية، وفي مقدمتها العلاقة الممتدة مع الأزهر الشريف، أسهمت في تعزيز التواصل بين الشعبين عبر أجيال متعاقبة.
ومن هذا المنطلق، فإنني أنظر إلى مهمتي في القاهرة باعتبارها فرصة لتعزيز هذه العلاقة، والعمل على أن تصبح أقرب إلى المواطنين والشركات والمؤسسات في البلدين، بحيث لا تظل الصداقة التاريخية عنوانًا جميلًا فحسب، بل تتحول إلى تعاون ملموس وفرص مشتركة.
زيارة الرئيس السيسي إلى جاكرتا.. محطة فارقة في مسار الشراكة
القرار المصري: شهدت العلاقات الثنائية تطورًا مهمًا مع زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إندونيسيا يومي 10 و11 أكتوبر الجاري. كيف تقيّمون أهمية الزيارة بالنسبة لمستقبل العلاقات بين البلدين؟
السفير: كانت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إندونيسيا محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، وعكست الإرادة المشتركة لدى قيادتي البلدين للارتقاء بالتعاون إلى مستوى أكثر تقدمًا.
ونحن نقدر هذه الزيارة، كما نقدر ما تحمله من رسالة واضحة بشأن أهمية مصر بالنسبة لإندونيسيا، وحرص البلدين على البناء على الشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات التعاون.
وقد أتاحت المباحثات الرئاسية فرصة لتعزيز التنسيق في عدد من الملفات، وفي مقدمتها التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي، إلى جانب مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك. كما أكدت أهمية الانتقال من الاتفاق على المبادئ والأهداف العامة إلى وضع برامج تنفيذية ومشروعات محددة، تتولى الجهات المعنية في البلدين متابعة تنفيذها.
والأهم بالنسبة لنا أن تكون نتائج الزيارة بداية لمرحلة أكثر نشاطًا في العلاقات الاقتصادية، من خلال زيادة التواصل بين الشركات، وتطوير الشراكات الاستثمارية، وإزالة العقبات التي قد تحول دون استغلال الفرص المتاحة.
من ملياري دولار إلى 5 مليارات.. كيف نضاعف التجارة؟
القرار المصري: يستهدف البلدان رفع حجم التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030. ما المطلوب لتحقيق هذا الهدف، خاصة أن العلاقات السياسية وحدها لا تكفي لزيادة التجارة؟
السفير: إن الوصول إلى هذا المستهدف يتطلب عملًا مشتركًا ومستمرًا من الحكومتين والقطاع الخاص. فالعلاقات السياسية توفر المناخ المناسب، لكن الشركات هي التي تحول الفرص إلى صادرات واستثمارات ومشروعات منتجة.
نحتاج إلى زيادة التعريف بالمنتجات المتاحة في كل سوق، وتبادل المعلومات التجارية، وتنظيم لقاءات مباشرة بين المستوردين والمصدرين، وتسهيل الإجراءات الجمركية، والعمل على معالجة المعوقات التي تؤثر في حركة التجارة. كما أن دراسة الأطر التجارية المناسبة لتيسير النفاذ إلى الأسواق يمكن أن تسهم في دفع العلاقات الاقتصادية إلى الأمام.
ولا يتعلق الأمر بزيادة قيمة التجارة فقط، وإنما أيضًا بتنويع المنتجات المتبادلة ورفع القيمة المضافة، وفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات المشتركة. فكلما توسعت العلاقات بين الشركات، زادت فرص بناء شراكات طويلة الأجل وأكثر استدامة.
جمعية رجال الأعمال المصريين.. شريك في تحويل الفرص إلى مشروعات
القرار المصري: ما الدور الذي يمكن أن تقوم به جمعية رجال الأعمال المصريين في تحقيق هذا المستهدف، وتطوير العلاقات بين مجتمعَي الأعمال في مصر وإندونيسيا؟
السفير: تمثل جمعية رجال الأعمال المصريين شريكًا مهمًا في تعزيز التواصل بين الشركات، ونحن نولي أهمية كبيرة للتعاون معها ومع مختلف منظمات الأعمال في مصر.
فالجمعيات والاتحادات الاقتصادية تستطيع أن تؤدي دورًا محوريًا في تحديد احتياجات الأسواق، والتعريف بالفرص الاستثمارية، وتنظيم البعثات واللقاءات الثنائية، وربط الشركات التي تمتلك فرصًا حقيقية للتعاون.
ومن خلال التعاون مع الجمعية، يمكننا العمل على تطوير التواصل بين الشركات المصرية والإندونيسية، وتحديد القطاعات التي تحقق مصالح مشتركة، ومتابعة الفرص المطروحة حتى تنتقل من مرحلة النقاش إلى التفاوض ثم التنفيذ.
ونتطلع إلى أن تكون اللقاءات الاقتصادية منصة مستمرة وليست مجرد فعاليات منفصلة، وأن تتبعها اجتماعات قطاعية واتصالات مباشرة بين الشركات، بما يساعد على بناء شراكات فعلية وزيادة حجم الأعمال بين البلدين.
من التجارة التقليدية إلى التصنيع المشترك
القرار المصري: ما القطاعات التي ترون أنها الأكثر قابلية لاحتضان مشروعات مشتركة خلال المرحلة المقبلة؟
السفير: هناك فرص متنوعة، لكن من المهم أن نركز على المشروعات التي تحقق قيمة مضافة واضحة، وتستفيد من المزايا التنافسية لكل بلد.
تأتي الصناعات الغذائية في مقدمة المجالات الواعدة، إذ يمكن بحث إقامة مشروعات لتجهيز وتصنيع المنتجات الغذائية في مصر، بالاستفادة من المواد الخام والخبرات الإندونيسية، مع دراسة إمكانات توجيه جانب من الإنتاج إلى الأسواق الإقليمية.
كما توجد فرص في زيت النخيل ومشتقاته، والصناعات الفوسفاتية والأسمدة، والمنتجات الزراعية، إلى جانب الاقتصاد الحلال ومستحضرات التجميل والمنسوجات وبعض الصناعات التحويلية.
وفي قطاع زيت النخيل، يجري بحث فرص تعاون استثماري تتصل بمشروع للتكرير، بالتنسيق بين جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة وصندوق الاستثمار السيادي الإندونيسي. وتمثل مثل هذه المشروعات نموذجًا للتعاون الذي يمكن أن يربط التجارة بالتصنيع والاستثمار، مع ضرورة استكمال الدراسات والترتيبات اللازمة لتحديد آليات التنفيذ.
أما الفوسفات المصري، فيمثل فرصة مهمة لتلبية احتياجات الصناعات الإندونيسية المرتبطة بإنتاج الأسمدة، بما يتيح مجالًا لتوسيع التجارة، ودراسة صور أخرى للتعاون الصناعي بين الشركات.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. بوابة للإنتاج والتصدير
القرار المصري: كيف يمكن أن تستفيد الشركات الإندونيسية من الموقع الجغرافي لمصر والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في ظل سعي البلدين إلى توسيع التجارة والاستثمارات؟
السفير: تمتلك مصر مقومات مهمة تجعلها وجهة جاذبة للاستثمار، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي، واتصالها بأسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، إلى جانب شبكة الاتفاقيات التجارية التي يمكن أن تستفيد منها الشركات وفقًا للقواعد المنظمة لكل سوق.
ونرى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يمكن أن توفر فرصًا للشركات الإندونيسية الراغبة في دراسة إقامة مشروعات إنتاجية أو لوجستية في مصر، خاصة في القطاعات التي تستفيد من الموقع واتصال سلاسل الإمداد بالأسواق الإقليمية.
وفي المقابل، تمثل إندونيسيا سوقًا كبيرة وبوابة إلى أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا، وهو ما يتيح للشركات المصرية فرصًا للتوسع خارج السوق المحلية.
إن الفكرة الأساسية هي الاستفادة من التكامل بين موقع مصر وإمكاناتها الصناعية والتجارية، وبين السوق الإندونيسية وقاعدة إنتاجها وامتدادها الإقليمي، بما يفتح المجال أمام مشروعات مشتركة تتجاوز حدود الاستيراد والتصدير التقليديين.
الاقتصاد الحلال.. سوق واعدة لشراكات جديدة
القرار المصري: يشهد الاقتصاد الحلال اهتمامًا متزايدًا عالميًا. كيف يمكن لمصر وإندونيسيا التعاون في هذا المجال؟
السفير: يمثل الاقتصاد الحلال مجالًا واعدًا للتعاون، لا سيما في المنتجات الغذائية ومستحضرات التجميل وغيرها من المنتجات والخدمات التي تتطلب الالتزام بمعايير محددة.
ويمكن للشركات في البلدين دراسة فرص التعاون في التصنيع وتطوير المنتجات وسلاسل التوريد، وتبادل الخبرات في الوصول إلى الأسواق، بما يتيح الاستفادة من إمكانات الإنتاج في مصر وإندونيسيا ومن فرص التوسع في أسواق أخرى.
لكن النجاح في هذا المجال يتطلب فهمًا دقيقًا لاحتياجات المستهلكين ومتطلبات الأسواق والمعايير المعمول بها، إلى جانب بناء شراكات تجارية وصناعية قادرة على الاستمرار والمنافسة.
رسالة إلى مجتمع الأعمال المصري
القرار المصري: ما الرسالة التي توجهونها إلى المستثمرين ورجال الأعمال المصريين الراغبين في دخول السوق الإندونيسية أو بناء شراكات مع الشركات الإندونيسية؟
السفير: أدعو مجتمع الأعمال المصري إلى النظر إلى إندونيسيا باعتبارها شريكًا اقتصاديًا يمتلك فرصًا متنوعة، وليس فقط سوقًا لتصدير المنتجات. فهناك إمكانات للتعاون في الصناعات الغذائية والزراعة والأسمدة والمنسوجات والمنتجات الحلال وغيرها من القطاعات.
وفي الوقت نفسه، فإننا نرحب بالشركات الإندونيسية التي ترغب في دراسة الفرص المتاحة في مصر، سواء في التصنيع أو الخدمات اللوجستية أو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
وستواصل السفارة العمل على تسهيل التواصل بين الشركات، وتقديم ما يمكن من دعم ومعلومات بشأن السوق الإندونيسية، بالتعاون مع جمعية رجال الأعمال المصريين والجهات المعنية في البلدين.
إن تحقيق مستهدف التجارة البالغ 5 مليارات دولار بحلول عام 2030 مسؤولية مشتركة، تتطلب مبادرات عملية ومتابعة مستمرة، وإرادة لدى الشركات للاستثمار في العلاقات طويلة الأجل.
من ذاكرة التاريخ إلى مستقبل الاقتصاد
القرار المصري: إذا أردتم تلخيص رؤيتكم لمستقبل العلاقات المصرية الإندونيسية في رسالة واحدة، فماذا تقولون؟
السفير: أرى أن العلاقات المصرية الإندونيسية تمتلك أساسًا تاريخيًا قويًا، وإرادة سياسية واضحة، وفرصًا اقتصادية تستحق أن نعمل معًا من أجل استغلالها.
لقد كان لمصر موقف تاريخي مهم في دعم استقلال إندونيسيا، ونعتز بهذا الإرث ونحرص على أن يستمر أثره في علاقتنا اليوم. والمرحلة الحالية تمنحنا فرصة لنضيف إلى هذا التاريخ إنجازات جديدة في التجارة والاستثمار والصناعة والتعاون بين الشركات.
نريد أن تصبح العلاقة بين البلدين أكثر حضورًا في حياة مجتمعي الأعمال، وأن نرى مزيدًا من المنتجات المتبادلة، والاستثمارات المشتركة، والمشروعات التي توفر فرص عمل وتدعم النمو في البلدين.
فالصداقة التاريخية تمنحنا أساسًا قويًا، لكن مسؤوليتنا اليوم هي أن نبني عليها مستقبلًا اقتصاديًا أكثر ازدهارًا، يحقق منافع ملموسة للشعبين المصري والإندونيسي.

