زمان كانوا بيحكوا لنا إن أمريكا كانت تلقي بالقمح في البحر للحفاظ على أسعاره. لا أعرف مدى صحة الحكاية، لكن المؤكد أن الأسواق لا تستقيم إذا تُركت بلا قواعد.
أنا لا أتحدث عن كل التجار، فهناك تاجر شريف من حقه أن يربح، وإنما أتحدث عن الجشعين والمحتكرين والمستغلين الذين لا يعرفون إلا طريقًا واحدًا للأسعار: إلى أعلى!
كل زيادة في التكلفة تتحول عندهم إلى قفزة في السعر، لكن عندما تنخفض التكلفة أو تزيد وفرة السلعة، تختفي فجأة قواعد العرض والطلب!
لماذا؟
إذا كانت السلعة متوفرة، فلماذا لا ينخفض سعرها؟ وإذا انخفضت التكلفة، لماذا يظل السعر مرتفعًا؟ وهل «حرية السوق» تعني حرية رفع الأسعار فقط؟
المواطن أصبح الطرف الوحيد الذي لا يستطيع أن يرفع سعر دخله لمواجهة ارتفاع الأسعار. التاجر يريد الحفاظ على ربحه، والصانع على هامشه، والمستورد على مكاسبه، بينما المواطن مطلوب منه أن يتحمل كل شيء.
وهنا يأتي دور الأجهزة المعنية.
المطلوب ليس تسعير كل سلعة، ولا خنق التجارة، وإنما ضبط السوق، ومواجهة الاحتكار والتخزين والتلاعب، ومراجعة الزيادات التي لا تجد لها تفسيرًا منطقيًا في التكلفة أو العرض والطلب.
لأن ترك السوق للمستغلين لا يعني اقتصادًا حرًا.
يعني سوقًا بلا ضمير.
والأخطر من ارتفاع الأسعار أن يشعر المواطن أنه وحده في مواجهة هذا الجشع.
فحين تتسع الفجوة بين دخل المواطن وتكلفة حياته، وتتكرر أمامه مشاهد الاستغلال دون حساب، لا نخسر فقط القوة الشرائية.
نخسر شيئًا أخطر.. الثقة.
لذلك، ضبط الأسواق ليس رفاهية ولا تدخلًا ضد حرية السوق.
إنه حماية للسوق نفسه.. وحماية للتاجر الشريف قبل المواطن.
اربح كما تشاء في إطار القانون..
لكن لا تجعل حاجة الناس وسيلة لتكسير عظامهم.
الربح حق.. أما الجشع فليس اقتصادًا.

